ابن الأثير
419
أسد الغابة ( دار الفكر )
وقال أهل صهيب وولده ومصعب الزبيري : إنه هرب من الروم لما كبر وعقل ، فقدم مكة فحالف ابن جدعان ، وأقام معه إلى أن هلك . ولما بعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، أسلّم وكان من السابقين إلى الإسلام ؛ قال الواقدي : أسلّم صهيب وعمّار في يوم واحد ، وكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلا ، وكان من المستضعفين بمكة الذين عذبوا . أخبرنا أبو منصور بن مكارم بن أحمد بن سعد بإسناده إلى أبى زكريا يزيد بن إياس ، قال : وكان اشتراه عبد اللَّه بن جدعان ، يعنى صهيبا ، من كلب بمكة ، وكانت كلب اشترته من الروم ، فأعتقه ، وأسلّم صهيب ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في دار الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلا ، وكان من المستضعفين بمكة المعذبين في اللَّه ، عز وجل ، وقدم في آخر الناس في الهجرة إلى المدينة علي بن أبي طالب وصهيب ، وذلك في النصف من ربيع الأول ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بقباء لم يرم [ ( 1 ) ] بعد . وآخى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بينه وبين الحارث بن الصّمّة ، ولما هاجر صهيب إلى المدينة تبعه نفر من المشركين ، فنثل [ ( 2 ) ] كنانته وقال لهم : يا معشر قريش ، تعلمون أنّى من أرماكم ، وو اللَّه لا تصلون إليّ حتى أرميكم بكل سهم معي ، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه ، قالوا : فدلّنا على مالك ونخلي عنك ، فتعاهدوا على ذلك ، فدلهم عليه ، ولحق برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم : ربح البيع أبا يحيى ، فأنزل اللَّه عزّ وجلّ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [ ( 3 ) ] وشهد صهيب بدرا ، وأحدا ، والخندق ، والمشاهد كلّها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم . أخبرنا أبو منصور بن مكارم بإسناده عن أبي زكريا ، أخبرنا إسحاق بن الحسن الحربي ، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود ، حدثنا عمارة بن زاذان ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم : السّبّاق أربعة ، أنا سابق العرب ، وصهيب سابق الروم ، وسلمان سابق فارس وبلال سابق الحبش .
--> [ ( 1 ) ] لم يرم : لم يبرح . [ ( 2 ) ] نثل الكنانة : أخرج ما فيها من السهام . [ ( 3 ) ] البقرة : 207 .